151 -وقوله: {وَلَا تُطِيعُوا} خطاب لجمهور قومه {أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} وهم كبراؤهم ورؤساؤهم في الكفر والإضلال، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: ولا تطيعوا المسرفين، بلا إقحام {أَمْرَ} فإن الطاعة إنما تكون للأمر - على صيغة الفاعل - كما أن الامتثال إنما يكون للأمر - على صيغة المصدر - فشبّه الامتثال بالطاعة من حيث إن كل واحد منهما يفضي إلى وجود المأمور به، فأطلق اسم المشبّه به وهو الطاعة، وأريد الامتثال؛ أي: لا تمتثلوا أمر المجاوزين للحد بالإشراك والإضلال. وقيل يعني التسعة الذين عقروا الناقة. وفي"النسفي": جعل الأمر مطاعًا على المجاز الإسنادي، والمراد الآمر، فكأنه قال: ولا تطيعوا المسرفين فيما أمروا به. أو المعنى: ولا تطيعوا وتتبعوا المستكثرين من لذات الدنيا وشهواتها، بل اكتفوا واقتصروا منها بقدر الكفاف.
152 -ثم وصف المسرفين بقوله: {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: في أرض الحجر بالكفر والظلم، وهو وصف موضح لإسرافهم {وَلَا يُصْلِحُونَ} بالإيمان والعدل عطف على {يُفْسِدُونَ} لبيان خلو إفسادهم عن مخالطة الإصلاح؛ أي: المراد بهذه الجملة بيان أن فسادهم خالص، ليس معه شيء من الصلاح، فإن حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح.
والمعنى: أي ولا تطيعوا أمر رؤسائكم الذين تمادوا في معصية ربكم، واجترؤوا على سخطه، وهم الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ وهو المذكورون في قوله: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) } ؛ أي: يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون أنفسهم بالعمل بطاعته.
وخلاصة هذا: لا تطيعوا رؤساءَكم وكبراءَكم الدعاة إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق.