146 -ثم خاطب قومه واعظًا لهم، ومحذّرًا نقم الله أن تحل بهم، ومذكرًا بأنعمه عليهم فيما آتاهم من الأرزاق الدارّة، والجنات والعيون، والزروع والثمرات، والأمن من المحذورات، فقال: {أَتُتْرَكُونَ} الاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ؛ أي: أتظنون أن تتركوا {فِي} ؛ أي: في النعم التي أعطاكم الله سبحانه {مَا هَاهُنَا} ؛ أي: في هذه الدار الدنيا حالة كونكم {آمِنِينَ} من الموت والعذاب، باقين في الدنيا، وأن لا دار للمجازاة؛ أي: لا تظنوا ذلك فإنكم لا تتركون فيها، ولا بد من المجازاة؛ أي: لا ينبغي لكم أن تعتقدوا أنكم تتقلبون في النعم التي في دياركم هذه آمنين من الزوال والعذاب، فلا تطمعوا في ذلك.
147 -ثم فسّر ذلك المكان بقوله: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} ؛ أي: أتتركون في بساتين يانعة وأنهار جارية
148 - {وَزُرُوعٍ} زاهرة {وَنَخْلٍ} ناضرة {طَلْعُهَا هَضِيمٌ} ؛ أي: لطيف ليّن في جسمه، والطلع ثمر النخل في أول ما يطلع، وبعده يسمى خلالًا، ثم بلحًا، ثم بسرًا، ثم رطبًا، ثم تمرًا. وأفرد النخل مع دخولها في أشجار الجنات؛ لفضلها على سائر الأشجار، وقد خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام ولكن لا أصل له.
والمعنى: أي لا تظنوا أنكم تتركون في دياركم آمنين متمتعين بالجنات والعيون والزروع والثمار اليانعة، وأن لا دار للجزاء على العمل، بل عليكم أن تتذكروا أن ما أنتم فيه من نعم وأمن من عدو لن يدوم، وأنكم عائدون إلى ربكم مجازون على أعمالكم خيرها وشرها.
149 -وقوله: {وَتَنْحِتُونَ} معطوف على {تتركون} فهو في حيّز الاستفهام التوبيخي، ومحل التوبيخ الحال؛ وهي قوله: {فَارِهِينَ} ؛ أي: وهل تنحتون وتبرون {مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} ومساكن حاله كونكم {فَارِهِينَ} بالألف؛ أي: ماهرين وحاذقين في نحتها وبرايتها. وقرئ {فرهين} بلا ألف، كما سيأتي لاحقًا؛ أي: فرحين مرحين بطرين. فهو على الأول من {فَرُه} بالضم فراهة إذا مهر في العمل وحذق، وعلى الثاني من {فره} بالكسر فرهًا إذا فرح ومرح.