ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}
وقولهم: {مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [الشعراء: 154] إذن: فوجه اعتراضهم أن يكون النبي بَشَراً ، كما قال سبحانه في آية أخرى: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94] .
ولو بعث الله لهم مَلَكاً لجاءهم على صورة بشر ، وستظل الشُّبْهة قائمة ، فمن يدريكم أن هذا البشر أصله مَلَك؟ {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] .
فالمعنى: ما دام أن الرسول بشر ، لا يمتاز علينا في شيء فنريد منه أنْ يأتينا بآية يعني: معجزة تُثبِت لنا صِدْقه في البلاغ عن ربه {إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [الشعراء: 154] .
ونلحظ أن الحق تبارك وتعالى ينتهز فرصة طلَبهم لآية ومعجزة ، فأسرع إليهم بما طلبوا ، ليقيم عليهم الحُجة ، فقال بعدها: {قَالَ هذه نَاقَةٌ}
هذا إجابة لهم ؛ لأنهم طلبوا من نبيهم أنْ يُخرِج لهم من الصخرة ناقة تلد سَقْباً لا يكون صغيراً كولد الناقة ، إنما تلد سَقْباً في نفس حجمها ، فأجابهم {قَالَ هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ} [الشعراء: 155] يعني: يوم تشرب فيه ، لا يشاركها في شُرْبها شيء من مواشيكم .
{وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} [الشعراء: 155] أي: تشربون فيه أنتم ، وكانت الناقة تشرب من الماء في يومها ما تشربه كلّ مواشيهم في يومهم ، وهذه معجزة في حَدِّ ذاتها .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ}