ولم يقل: بكل ساحر ، إنما سحَّار يعني: هذه مهنته ، وكما تقول: ناجر ونجار ، وخائط وخياط .
وإنْ كان بعضهم قال عن نبيهم: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} [الإسراء: 47] فهؤلاء يقولون لنبيهم {إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين} [الشعراء: 153] وعجيب أمر أهل الباطل ؛ لأنهم يتخبطون في هجومهم على الأنبياء ، فمرَّة يقولون: ساحر . ومرة يقولون: مسحور ، كيف والساحر لا يكون مسحوراً ؛ لأنه على الأقل يستطيع أن يحمي نفسه من السحر . قالوا: بل المراد بالمسحور اختلاط عقله ، حتى إنه لا يدري ما يقول .
ثم إن نبيكم صالحاً عليه السلام إنْ كان مسحوراً فمَنْ سحره؟ أنتم أم أتباعه؟ إنْ كان سحره منكم فأنتم تقدرون على كَفِّ سحركم عنه ، حتى يعود إلى طبيعته ، وترونه على حقيقته ، وإنْ كان من أتباعه ، لا بُدَّ أنهم سيحاولون أنْ يعينوه على مهمته ، لا أن يُقعدوه عنها .
إذن: فقولهم لنبيهم: {إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين} [الشعراء: 153] يريدون أن يخلُصُوا إلى عدم اتباعه هو بالذات ، فهم يريدون تديُّناً على حسب أهوائهم ، يريدون عبادة إله لا تكليفَ له ولا منهج . كالذين يعبدون الأصنام وهم سعداء بهذه العبادة ، لماذا؟
لأن آلهتهم لا تأمرهم بشيء ولا تنهاهم عن شيء . لذلك ، فكل الدجالين ومُدَّعُو النبوة رأيناهم يُخفِّفون التكاليف عن أتباعهم ، فقديماً أسقطوا عن الناس الزكاة ، وحديثاً أباحوا لهم الاختلاط ، فلا مانع لديهم من الالتقاء بالمرأة والجلوس معها ومخاطبتها والخُلْوة بها والرقص معها ، وماذا في ذلك ونحن في القرن الحادي والعشرين؟
فإنْ قالوا: ساحر ، نردُّ عليهم نعم هو ساحر ، قد سحر مَنْ آمنوا به ، فلماذا لم يسحركم أنتم وتنتهي هذه المسألة؟ إذن: هذه تُهَم لا تستقيم ، لا هو ساحر ، ولا هو مسحور ، إنه مجرد كذب وافتراء على أنبياء الله ، وعلى دعاة الخير في كل زمان ومكان .