فكأن العمل الذي أقدمه من أجلكم في عُرْف العقلاء يستحق أجراً ، فالعامل الذي يعمل لكم شيئاً جزئياً من مسائل الدنيا يزول وينتهي يأخذ أجراً عليه ، أما أنا قأقدّم لكم عملاً يتعدَّى الدنيا إلى الآخرة ، ويمدّ حياتك بالسعادة في الدنيا والآخرة ، فأجْري إذن كبير ؛ لذلك لا أطلبه منكم إنما من الله .
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146)
يريد أن يُوبِّخهم: أتظنون أنكم ستخلّدون في هذا النعيم ، وأنتم آمنون ، أو أنكم تأخذون نِعَم الله ، ثم تفرُّون من حسابه ، كما قال سبحانه:
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] .
فمَنْ ظن ذلك فهو مخطيء قاصر الفهم ؛ لأن الأشياء التي تخدمك في الحياة لا تخدمك بقدرة منك عليها ، فأنت لا تقدر على الشمس فتأمرها أنْ تشرق كل يوم ، ولا تقدر على السحاب أن ينزل المطر ، ولا تقدر على الأرض أن تعطيها الخصوبة لتنبت ، ولا تقدر على الهواء الذي تتنفسه . . إلخ وهذه من مُقوِّمات حياتك التي لا تستطيع البقاء بدونها .
وكان من الواجب عليك أن تتأمل وتفكر: مَن الذي سخرَّها لك ، وأقدرك عليها؟ كالرجل الذي انقطع في الصحراء وفقد دابته وعليها طعامه وشرابه حتى أشرف على الهلاك ، ثم أخذته سِنَة أفاق منها على مائدة عليها أطايب الطعام والشراب ، بالله ، أليس عليه قبل أنْ تمتد يده إليها إنْ يسأل نفسه: مَنْ أعدّ لي هذه المائدة في هذا المكان .
كذلك أنت طرأتَ على هذا الكون وقد أُعِدَّ لك فيه كل هذا الخير ، فكان عليك أن تنظر فيه ، وفيمَنْ أعدّه لك . فإذا جاءك رسول من عند الله ليحلَّ لك هذا اللغز ، ويخبرك بأن الذي فعل كل هذا هو الله ، وأن من صفات كماله كذا وكذا ، فعليك أن تُصدِّقه .