وقرأ أبو قلابة بضم الخاء ، وسكون اللام ، وهي تخفيف لقراءة الضم لهما ، والظاهر: أن المراد بالآية هو قول من قال: ما هذا الذي نحن عليه إلا عادة الأوّلين وفعلهم ، ويؤيده قولهم: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي على ما نفعل من البطش ، ونحوه مما نحن عليه الآن.
{فَكَذَّبُوهُ فأهلكناهم} أي بالريح كما صرح القرآن في غير هذا الموضع بذلك {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم} تقدّم تفسير هذا قريباً في هذه السورة.
ثم لما فرغ سبحانه من ذكر قصة هود وقومه ، ذكر قصة صالح وقومه ، وكانوا يسكنون الحجر ، فقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} إلى قوله: {إِلاَّ على رَبّ العالمين} قد تقدّم تفسيره في قصة هود المذكورة قبل هذه القصة.
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا ءامِنِينَ} الاستفهام للإنكار.
أي: أتتركون في هذه النعم التي أعطاكم الله آمنين من الموت والعذاب باقين في الدنيا.
ولما أبهم النعم في هذا فسرها بقوله: {فِي جنات وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} ، والهضيم: النضيح الرخص اللين اللطيف ، والطلع: ما يطلع من الثمر ، وذكر النخل مع دخوله تحت الجنات لفضله على سائر الأشجار ، وكثيراً ما يذكرون الشيء الواحد بلفظ يعمه وغيره كما يذكرون النعم ولا يقصدون إلاّ الإبل ، وهكذا يذكرون الجنة ، ولا يريدون إلاّ النخل.
قال زهير:
كأن عيني في غربي مقبلة... من النواضح تسقي جنة سحقاً
وسحقاً جمع سحوق ، ولا يوصف به إلاّ النخل.
وقيل: المراد بالجنات غير النخل من الشجر ، والأوّل أولى.
وحكى الماوردي في معنى {هضيم} اثني عشر قولاً ، أحسنها وأوفقها للغة ما ذكرناه.
{وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فارهين} النحت: النجر ، والبري ، نحته ينحته بالكسر: براه.