قال الزمخشرى: بالغ في تنبيههم على نعم الله، حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم، وبذلك أيقظهم من سِنَة غفلتهم عنها، ونبههم إلى أنه تعالى كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم، فهو قادر على الثواب والعقاب، فعليهم أن يتقوه. انتهى بتصرف.
135 - {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} :
إني أخاف عليكم إن لم تقوموا بشكر هذه النعم عذاب يوم عظيم في الدنيا والآخرة، فإن كفران النعم موجب للعقاب بإزالتها أو تقليلها، كما أن شكرها سبب في زيادتها، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} .
وهكذا دعاهم نبيهم إلى الله بالترغيب والترهيب، وبين لهم أنه كما قدر على أن يعطيهم هذه النعم متفضلا، فهو قادر على سلبها عادلا، وأنه بذلك تعرف قدرته على ثوابهم إن أحسنوا وعقابهم إن أساءوا، ولم ينفعهم وعظه وتذكيره كما حكاه بقوله:
136 - {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} :
قالوا استخفافًا وعدم مبالاة بما يقول: سواءٌ لدينا أبالغت في وعظنا وتذكيرنا أم لم تكن من الواعظين، فإنا لن نرعوى عما نحن عليه.
ولم يقولوا: أوعظت أم لم تعظ - مع أنه أخْصَرُ - للمبالغة في بيان قلة اعتدادهم بوعظه؛ لأن المراد: سواءٌ علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن من أهله ومباشريه أصلًا.
137 - {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} :
أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا خلق الأولين وعادتهم، إذ كانوا يلفقون مثله ويسطرونه كما قال مشركو مكة للنبي - صلى الله عليه وسلم: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} .
أو ما هذا الذي نحن عليه إلا خلق الأولين - أي: دينهم وعادتهم - ونحن بهم مقتدون، كما قال مثله غيرهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} فنحن تابعون لهم سالكون سبيلهم، نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا، وما نحن بمعذبين فلا بعث ولا جزاء.