وقد ذكرهم بنعمه أولا، وأشار إلى أنهم اتخذوا هذه النعم ذريعة ليكونوا أقوياء باطشين، لَا أن يكونوا شاكرين، وقد أنذرهم بعد بعذاب اللَّه تعالى التي ينزل بمن يظلمون ويفسدون في الأرض، فإنه لَا يفسد الأرض غير الظلم والطغيان، قال الرسول الشفيق بقومه: (إِنِّي أَخَافُ) مشفقا عليكم منذرا لكم (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم) وهو يوم القيامة، يوم لَا ينفعهم مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم، وقد أكد العذاب وإن، وبوصف العذاب بأنه عظيم لَا يقادر قدره، وكان تنكيره لبيان كبره وشدته، وأنه فوق التقدير والوصف.
ذكرهم بالنعمة، ثم أنذرهم بالجزاء، ولكن لم يرعووا، ولم يستيقظوا، وكانوا في عمياء ضالة، ولذا رأوا هذا وقالوا:
(قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ(136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137)
الوعظ يجمع بين معنى التذكير بالخير، وإثارة النفس إلى الخير، والزجر المقترن بالتخويف، وقد جمع كلام نبي اللَّه هود على المعنيين، فهو أولا ذكرهم بالنعم التي هي خير محض، ثم أنذرهم بالعذاب الشديد، فقالوا مصرين على ما هم عليه
(قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ) ، أي تساوى عندنا حالك إذا كنت الواعظ المذكر بالنعم، والمنذر بالنقم، أم لم تكن من الواعظين، بأن تركتنا في أمورنا، وحالنا.
ولم يكتفوا بذلك بل تهجموا على ما يدعو إليه، وقالوا:
(إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ(137)
و (إِنْ) نافية، أي ما هذا إلا خلق الأولين، وفي النص الكريم قراءتان:
إحداهما - بضم الخاء واللام، والمعنى على هذا يتضمن أولا أن ما هم عليه من شرك، وقد اتبعوا فيه آباءهم، كما قال المشركون ة وجدنا عليه آباءنا، ويتضمن ثانيا أن ما هم عليه من بطش جعلهم جبارين هو خلق الأولين من قومهم، ولذا عبروا بخلق بدل دين ليشملهما معا.
والقراءة الثانية هي (خَلْقُ) بفتح الخاء وسكون اللام، ويكون المعنى إن هذا الوعظ إلا ما اختلقه الأولون وافتراؤهم، كما قال المشركون عن القرآن الكريم، (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) .
ولشدة غرورهم وعظم تكذيبهم قالوا: