أي تبنون أماكن وقصورا مشيدة مصنوعة صناعة محكومة تبقى على الأزمان وتناطح الدهر، لعلكم تخلدون، أي ترجون لها أن تخلدوا فيها، والمصانع جمع مصنع، وهو مكان الصنع الجيد، والصنع إتقان العمل، ويقال للحاذق المجيد صَنَعٌ بفتحتين، وللحاذقة المجيدة صناع، ويقال صنَّاع، فالمصانع، القصور المجود بناؤها، المزخرف طلاؤها، وكأنهم يرجون أن تكون جنتهم التي يخلدون فيها.
وقد بين سبحانه، أنهم يبنون، ويستعلون عابثين، ويبنون القصور المشيدة لعلهم يخلدون، وذلك لتكون لهم السلطة والقهر والغلب، ولذا قال في وصفهم عز من قائل:
(وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ(130)
الخطاب لعاد قوم هود، وهو وصف لحالهم وهو أنهم جبابرة في طغيانهم، والتجبر، يدفع إلى الأذى والسيطرة بالباطل، والتدابر والتقاطع وإن هذه حالهم، القوي فيهم يأكل الضعفاء، فالحقوق مهضومة، والباطل رافع رأسه فيهم،
وخاطبهم، بذلك نبيهم هود عليه السلام عن ربه العليم الحكيم. والبطش السطو، والعسف قتلا بالسيوف، أو ضربا بالسياط، والجبار المتسلط العاتي، وقد نفى اللَّه تعالى عن نبيه أن يكون جبارا فقال: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) ، ومعنى ْالنص أنكم يا عاد طغاة جبارون إذا بطشتم عاسفين كان بطشكم بطش جبارين يسومون الضعفاء الذل والهوان.
ويجب أن تتخلفوا عن هذا الوصف الذميم، وترفقوا بأنفسكم، ولذا قال لهم هود ذاكرا عن ربه:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(131)
الفاء للإفصاح، أي إذا كنتم كذلك غير مترفقين (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) أي اجعلوا بينكم وبين غضب اللَّه وقاية، واجعلوا التقوى شعاركم يذهب غروركم بالقوة، وأطيعون فيما أنقل لكم من شرع الله تعالى والنظام المحكم.
ولقد أخذ هود عليه السلام يذكرهم بنعم الله عليهم، وأنها توجب أن يملئوا أنفسهم بتقواه خوفا من عذابه، وشكرا لنعمته
(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ(132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)