بكسر النون للإيماء إلى ياء المتكلم المحذوفة، وصدر القول بالنداء إلى ربه للإشارة بالنداء إلى طلب النصر والعون، والمدد الكريم منه جلت قدرته، وهو الذي أظلهم بنعمة الربوبية، وقوله: (إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ) فيه إيماء إلى أنهم كذبوه، في حال كان يرجو إيمانهم؛ لأنهم أولا قومه، وعرفوا صدقه، وخوفه عليهم، ورفقه بهم، ورغبته لخيرهم، ومع كل هذا كذبوه وقطعوا صلته وأعلنوا عداوته، وهددوه بالرجم، وإن لم يذكره لربه، لأنه عليم بهم يرى ويسمع.
اتجه إلى ربه يدعوه إلى أن يفصل بينه وبينهم:
(فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(118)
وقد كان تهديدهم له بالرجم خطا فاصلا بينه وبينهم، وأخبره اللَّه تعالى بقوله تعالى: (لَن يُؤْمِن مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) ، والفاء للإفصاح، وتقدير القول إذا كانوا كذبوكَ ولا يؤمن إلا من قد آمن فلا تبتئس.
والفتح معناه الحكم والفصل بـ ألا يمكنهم منه، وممن آمن معه وما آمن معه إلا قليل.
وقد أجابه اللَّه تعالى إلى مطلبه فور دعائه إليه.
(فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ(119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120)
الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب، أي أنه فور دعائه أجابه،
(فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ) أي الذين معه في الإيمان والإذعان والتصديق وناصروه، وإن كانوا قليلا، وقوله تعالى: (الْمَشْحُونِ) الذي حمل فيه كل ما يحتاجون حتى تستوى على بر السلامة، وهذا قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ(40) .
هذه عاقبة نوح، ومعه أهل الإيمان من قومه، والطائعين له من أهله، أما الباقون فقد قال تعالى فيهم:
(ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ(120)