أكد رسالته لهم بـ إن المؤكدة، وتقديم الجار والمجرور (لَكُمْ) أي لكم خاصة، ووصف نفسه بالأمانة، والأمانة تقتضي ألا يكذب على اللَّه، فيدعى عليه الرسالة، وهو لم يرسله، وتقتضي الأمانة فيما يخبرهم، ومع الأمانة الرعاية والمحبة والإخلاص لهم، والبر بهم.
ولأنه رسولهم الذي أرسل إليهم طالبهم بتقوى اللَّه والطاعة فقال:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(108)
أي أطيعونى لأن هنا ياء المتكلم مقدرة في القول بدليل كسر النون المنبئ عنها، طالبهم بأمرين: تقوى اللَّه، لأن قلوبهم جامدة جافية عن ربها، إذ ليس فيهم إيمان بشيء، ولا خوف من حاضر ولا غائب، ولا علاج للنفس اللاهية الجافية إلا بالتقوى، أو الدعوة إليها، والأمر الثاني طاعة الرسول، ولا سبيل لطاعته إلا أن تمتلئ نفوسهم بالتقوى، ومهابة اللَّه والخضوع له.
والفاء في قوله تعالى:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي بسبب أن الرسول أمين لكم اتقوا اللَّه وأطيعون.
(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ...(109)
(مِنْ) لاستغراق النفي، أي لَا أسألكم على هذا التبليغ أي أجر مما يتعلق بالدنيا، لَا أسألكم جاها، ولا رياسة، ولا سلطانا، ولا غاية، ولا مالا، ولا أي عرض من أعراض الدنيا، (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) إن نافية، أي ليس لي أجر إلا عند اللَّه تعالى، وعبر بـ على للإشارة إلى علو هذا الأجر وهو يعلو عليكم، ولا يمكن أن تتساموا إليه؛ لأنه من رب العالمين الذي يدين له العالمون أجمعون بالربوبية والطاعة والخضوع.
وإذا كنت لَا أجدْ منكم جزاء ولا شكورا
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ) الفاء للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر كأنه هو: إذا كنت أمينا لكم ولا أريد عرضا من أعراض الدنيا، فاتقوا اللَّه، وأطيعوني، لفضل الإخلاص والأمانة - أجابه قومه على هذه الدعوة المخلصة إلى الحق بالتمرد.
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ(111)