وكملة {فَأَهْلَكْنَاهُمْ} [الشعراء: 139] كلمة صادقة ، لها دليل في الوجود نراه شاخصاً ، كما يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد * التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد} [الفجر: 68] .
نعم ، كانت لهم حضارة بلغتْ القمة ، ولم يكُنْ لها مثيل ، ومع هذا كله ما استطاعت أنْ تصون نفسها ، وأخذها الله أَخْذ عزيز مقتدر .
قال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137138] .
وقال: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظلموا} [النمل: 52] .
أي: أنها شاخصة أمامكم تروْنها وتمرُّون عليها ، وأنتم لم تبلغوا مبلغَ هذه الحضارة ، فإذا كانت حضارتهم لم تمنعهم من أَخْذ الله العزيز المقتدر ، فينبغي عليكم أنْ تتنبهوا إلى أنكم أضعف منهم ، وأن ما حاق بالكافرين وما نزل بالمكذِّبين ليس ببعيد عن أمثالهم من الأمم الأخرى .
لذلك تجد الحضارات التي تُتوَارث في الكون كلها آلتْ إلى زوال ، ولم نجد منها حضارة بقيتْ من البداية إلى النهاية ، ولو بُنِيَتْ هذه الحضارات على قيم ثابتة لكان فيها المناعة ضد الزوال .
وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} [الشعراء: 139] أي: في إهلاك هذه الحضارة لأمر عظيم ، يُلفِت الأنظار ، ويدعو للتأمل: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 139] .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
قال {رَبَّكَ} [الشعراء: 140] ولم يقُلْ ربهم ؛ لأن منزلة المربِّي تعظم في التربية بمقدار كمال المربِّي ، فكأنه تعالى يقول: أنا ربُّك الذي أكملت تربيتك على أحسن حال ، فَمنْ أراد أنْ يرى قدرة الربوبية فليرها في تربيتك أنت ، والمربَّى يبلغ القمة في التربية إنْ كان مَنْ ربَّاه عظيماً .
لذلك يقول صلى الله عليه وسلم:"أدَّبني ربي فأحسن تأديبي".