وقال: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين} [الشعراء: 127] لأن الربَّ هو الذي يتولَّى الخَلْق بالبذْل والعطايا والإمداد . وقلنا: إن عدم أخذ الأجر ليس زُهْداً فيه ، إنما طمعاً في أنْ يأخذ أجره من الله ، لا من الناس .
ثم يتوجّه إليهم ليُصحِّح بعض المسائل الخاصة بهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ}
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128)
وهذه خصوصية من خصوصيات قوم هود ، والرِّيع: هو المكان المرتفع ، لذلك بعض الناس يقولون: كم رِيع بنائك؟ يعني: ارتفاعه كم متراً ، فكأن الارتفاع يُثمِّن البقعة ، ويُطلق الريع على الارتفاع في كل شيء .
وكلمة {آيَةً} [الشعراء: 128] بعد {أَتَبْنُونَ} [الشعراء: 128] تعني: القصور العالية التي تعتبر ِآيةً في الإبداع وجمال العمارة والزخرفة والفخامة والاتساع والرِّفْعة في العُلُو .
وقال {تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] لأنهم لن يخلُدوا في هذه القصور ، ومع ذلك يُشيِّدونها لتبقى أجيالاً من بعدهم ، فعدّ هذا بعثاً منهم ؛ لأن الإنسان يكفيه أقلّ بناء ليأويه فترة حياته .
أو {تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] لأنهم كانوا يجلسون في شُرفات هذه القصور يصدُّون الناس ، ويصرفونهم عن هود وسماع كلامه ودعوته التي تَلْفِتهم إلى منهج الحق .
ونحن لم نَرَ حضارة عاد ، ولم نَرَ آثارهم ، كما رأينا مثلاً آثار الفراعنة في مصر ؛ لأن حضارة عاد طمرتْها الرمال ، وكانوا بالجزيرة العربية في منطقة تُسمَّى الآن بالرَّبْع الخالي ؛ لأنها منطقة من الرمال الناعمة التي يصعب السير أو المعيشة بها ، لكن لكي نعرف هذه الحضارة نقرأ قوله تعالى في سورة الفجر:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد * التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد} [الفجر: 68] .