وَيَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا وَتَصْحِيحًا لِمَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّأْوِيلِ، قَوْلُهُمْ: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَقْدِرِ عَلَى تَعْذِيبِهِمْ مَا قَالُوا: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنْ هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ يَا هُودُ إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ، وَمَا لَنَا مِنْ مُعَذِّبٍ يُعَذِّبُنَا، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ، وَيَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ، عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يَعْبُدُونَهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَلِذَلِكَ قَالُوا لِهُودٍ وَهُمْ مُنْكَرُونَ نُبُوَّتَهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} ثُمَّ قَالُوا لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي نَفْعَلُهُ إِلَّا عَادَةُ مَنْ قَبْلَنَا وَأَخْلَاقُهُمْ، وَمَا اللَّهُ مُعَذِّبَنَا عَلَيْهِ، كَمَا أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ قَبْلَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِرُسُلِهِمْ: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَذَّبَتْ عَادٌ رَسُولَ رَبِّهِمْ هُودًا، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ {فَكَذَّبُوهُ} مِنْ ذِكْرِ هُودٍ.
{فَأَهْلَكْنَاهُمْ}
يَقُولُ: فَأَهْلَكْنَا عَادًا بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَنَا.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي إِهْلَاكِنَا عَادًا بِتَكْذِيبِهَا رَسُولَهَا لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً لِقَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ الْمُكَذِّبِيكَ فِيمَا أَتَيْتُهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ.
{وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}
يَقُولُ: وَمَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ أَهْلَكْنَا بِالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ} فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، {الرَّحِيمُ} بِالْمُؤْمِنِينَ بِهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 17/}