لما يستدعي الخالق - عز وجل - الإنسان إلى هذا الوجود جعل له في الأرض مُقوِّمات استبقاء حياته من الهواء والقوت والماء ، والإنسان كما قلنا يستطيع أن يصبر على الطعام ، وصبره أقل على الماء ، لكن لا صبرَ له على الهواء ؛ لذلك شاءت قدرة الله ألاّ يُملّكه لأحد ؛ لأنه مُقوِّم الحياة الأول ، فالغلاف الجوي والهواء المحيط بالأرض تابع لها وجزء منها داخل تحت قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا . .} [فصلت: 10] بدليل أنهم حينما يخرجون عن نطاق الأرض يمتنع الهواء .
ومن حكمة الخالق - عز وجل - وقدرته أنْ جعل الماء على الأرض مالحاً ؛ لأن الملح أساس في صلاح الأشياء التي يطرأ عليها الفساد ، فالماء العذب عُرضة للتغيُّر والعطن ، وبالملح نصلح ما نخشى تغيُّره فنضعه على الطعام ليحفظه ونستخدمه في دباغة الجلود . . الخ
لذلك قال الشاعر:
يَا رِجَالَ الدينِ يا مِلْحَ البَلَدِ ... مَنْ يُصلح الملحَ إذَا المِلْحُ فَسَد
إذن: أصل الماء في الأرض ، لكن ينزل من السماء بعد عملية البَخْر التي تُصفيه فينزل عَذْباً صالحاً للشرب وللري ، وقلنا: إن الخالق سبحانه جعل رقعة الماء على الأرض أكبر من رقعة اليابسة حتى تتسع رقعة البَخْر ، ويتكون المطر الذي يكفي حاجة أهل الأرض .
ومن رحمة الله بنا أن ينزل الماء من السماء {بِقَدَرٍ} [المؤمنون: 18] يعني: بحساب وعلى قَدْر الحاجة ، فلو نزل هكذا مرة واحدة لأصبح طوفاناً مُدمّراً ، كما حدث لقوم نوح ولأهل مأرب . وفي موضع آخر يقول سبحانه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21] .