"إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى حَالِهَا لَا تَتَغَيَّر فَإِذا مَضَت لَهُ أَرْبَعُونَ صَارَت علقَة ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك، ثمَّ عظاما كَذَلِك، فَإِذا أَرَادَ أَن يُسَوِّي خلقه بعث الله إليه الْملك فَيَقُولُ الْمَلَكُ الَّذِي يَلِيهِ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَقَصِيرٌ أَمْ طَوِيلٌ؟ أَنَاقِصٌ أَمْ زَائِدٌ؟ قُوتُهُ وَأَجَلُهُ؟ أَصَحِيحٌ أَمْ سَقِيمٌ؟ قَالَ: فَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ"
فَهَذَا الحَدِيث فِيهِ الشِّفَاء وَإِن الْحَادِث بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة تَسْوِيَة الْخلق عِنْد نفخ الرّوح فِيهِ.
وَلَا ريب أَنه عِنْد نفخ الرّوح فِيهِ وتعلقها بِهِ يحدث لَهُ فِي خلقه أُمُور زَائِدَة على التخليق الَّذِي كَانَ بعد الْأَرْبَعين الأولى فَالْأول كَانَ مبدأ التخليق وَهَذَا تسويته وَكَمَال مَا قدر لَهُ كَمَا أَنه سُبْحَانَهُ خلق الأَرْض قبل السَّمَاء ثمَّ خلق السَّمَاء ثمَّ سوى الأَرْض بعد ذَلِك ومهدها وبسطها وأكمل خلقهَا فَذَلِك فعله فِي السكن وَهَذَا فعله فِي السَّاكِن على أَن التخليق والتصوير ينشأ فِي النُّطْفَة بعد الْأَرْبَعين على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا كَمَا ينشأ النَّبَات فَهَذَا مشَاهد فِي الْحَيَوَان والنبات كَمَا إِذا تَأَمَّلت حَال الْفروج فِي الْبَيْضَة فَإِنَّمَا يَقع الْإِشْكَال من عدم فهم كَلَام الله تَعَالَى وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فالإشكال فِي أفهامنا لَا فِي بَيَان الْمَعْصُوم.
وَالله الْمُسْتَعَان، وَقد أَغْنَاك هَذَا بِحَمْد الله عَن تكلّف الشَّارِحين فَتَأَمّله ووازن بَينه وَبَين هَذَا الْجمع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
(فصل)