والظاهر أن جميع أقوال أهل العلم في قوله {خَلْقاً آخَرَ} أنه صار بشراً سوياً بعد أن كان نطفة ، ومضغةً ، وعلقةً ، وعظاماً كما هو واضح.
مسألة
وقد استدل بهذه الآية الإمام أبو حنيفة رحمه الله ، على أن من غصب بيضة ، فأفرخت عنه أنه يضمن البيضة ، ولا يرد الفرخ ، لأن الفرخ خلق آخر سوى البيضة ، فهو غير ما غصب ، وإنما يرد الغاصب ما غصب. وهذا الاستدلال له وجه من النظر ، والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} وقوله {فَتَبَارَكَ الله} قال أبو حيان في البحر المحيط: تبارك: فعل ماضٍ لا ينصرف ، ومعناه: تعالى وتقدس. اه منه.
وقوله في هذه الآية {أَحْسَنُ الخالقين} أي المقدرين والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير. ومنه قول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعض... القوم يخلق ثم لا يفري
فقوله: يخلق ثم لا يفري: أي يقدر الأمر ، ثم لا ينفذه لعجزه عنه كما هو معلوم.
ومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة ، هل إضافتها إضافة محضة ، أو لفظية غير محضة ، كما هو معروف في محله؟ فمن قال: هي محضة أعرب قوله {أَحْسَنُ الخالقين} نعتاً للفظ الجلالة ، ومن قال: هي غير محضة أعربه بدلاً ، وقيل: خبر مبتدأ محذوف ، تقديره: هو أحسن الخالقين. وقرأ هذين الحرفين {فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً} وقوله {فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً} ابن عامر وشعبة عن عاصم عظماً: بفتح العين ، وإسكان الضاء من غير ألف بصيغة المفرد فيهما ، وقرأه الباقون: عِظَاماً بكسر العين وفتح الظاء ، وألف بعدها بصيغة الجمع ، وعلى قراءة ابن عامر وشبعة. فالمراد بالعظم: العِظَام.
وقد قدمنا بإيضاح في أول سورة الحج وغيرها أن المفرد إن كان اسم جنس ، قد تطلقه العرب ، وتريد به معنى الجمع. وأكثرنا من أمثلته في القرآن ، وكلام العرب مع تعريفه وتنكيره وإضافته ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.