وقرأ المكّيّون (لأمانتهم) على واحدة. قال أبو جعفر: أمانة مصدر يؤدي عن الواحد والجمع، فإذا أردت اختلاف الأنواع جاز الجمع والتوحيد إلّا أن الجمع هاهنا حسن لأن الله جل وعز قد ائتمن العباد على أشياء كثيرة منها الوضوء وغسل الجنابة والصلاة والصيام وغيرهن. فأما احتجاج أبي عبيد في اختياره لأماناتهم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا} [النساء: 58] فمردود لا يشبهه هذا لأن الأمانات هاهنا هو الشيء بعينه بمنزلة الودائع، وليس مثل ذلك. ألا ترى أن بعده {وَعَهْدِهِمْ} ولم يقل وعهودهم فالجمع والتوحيد جائزان.
[سورة المؤمنون (23) : آية 10]
{أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) }
{أُولَئِكَ} مبتدأ «هم» مبتدأ ثان، وإن شئت كانت فاصلة. {الْوَارِثُونَ} على أن قوله «هم» فاصلة خبر «أولئك» ، وعلى القول الآخر خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر «أولئك» وروى الزّهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنّة ثم قرأ {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} إلى عشر آيات. قال أبو جعفر: معنى «من أقامهنّ» من قام عليهنّ ولم يخالف ما فيهنّ، وأدّاه، كما تقول: فلان يقوم بعمله، ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الصوم والحجّ فدخل معهن.
والذين قرءوا «لأماناتهم» قرءوا {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً} إلّا عاصما فإنه قرأ فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظام لحما، وكذا قرأ الأعرج وقتادة وعبد الله بن عامر. والقراءة الأولى حسنة بيّنة لأن المضغة تفترق فتكون عظاما
فالجمع في هذا أبين والتوحيد جائز يكون يؤدي عن الجمع، وقال أبو إسحاق في العلة في جوازه لأنه قد علم أن الإنسان ذو عظام، واختار أبو عبيد الجمع واحتجّ بقول الله جلّ وعزّ: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} [البقرة: 259] أي لأنهم قد أجمعوا على هذا. وهذا التشبيه غلط لأن المضغة لمّا كانت تفترق عظاما كان كلّ جزء منها عظما فكل واحد منها يؤدي عن صاحبه فليس كذا «وانظر إلى العظام» لأن هذا إشارة إلى جمع، فإن ذكرت واحدا كانت الإشارة إلى واحد. {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} مجاز، و {خَلْقاً} مصدر لأنّ معنى أنشأناه خلقناه، واحد الطرائق طريقة.
[سورة المؤمنون (23) : آية 20]