ثم بشر - سبحانه - المؤمنين بما يشرح صدورهم فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً.
أي: ومن يعمل في دنياه الأعمال الصالحات، وهو مع ذلك مؤمن بكل ما يجب الإيمان به.
فإنه في هذه الحالة فَلا يَخافُ ظُلْماً ينزل به. ولا يخاف هَضْماً لشيء من حقوقه أو ثوابه.
يقال: هضم فلان حق غيره، إذا انتقصه حقه ولم يوفه إياه.
قالوا: والفرق بين الظلم والهضم: أن الظلم قد يكون بمنع الحق كله، أما الهضم فهو منع لبعض الحق. فكل هضم ظلم، وليس كل ظلم هضما.
فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين، بأن الله - تعالى - بفضله وكرمه سيوفيهم أجورهم يوم القيامة، بدون أدنى ظلم أو نقص من ثوابهم، فالتنكير في قوله ظُلْماً وَلا هَضْماً للتقليل.
ثم نوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم الذي أنزله على نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم وبين بعض الحكم من إنزاله، وطلب من نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يسأله المزيد من العلم فقال - تعالى -:
[سورة طه (20) : الآيات 113 إلى 114]
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً(113)
وقوله - سبحانه -: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ ... معطوف على قوله: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ .. والكاف للتشبيه، واسم الإشارة يعود على إنزال ما سبق من آيات.
أي: ومثل ما أنزلنا الآيات السابقة المشتملة على الآداب والأحكام والقصص، أنزلنا عليك يا محمد القران كله، فما نزل منه متأخرا يشبه في هدايته وإعجازه ما نزل منه متقدما.
وقد اقتضت حكمتنا أن نجعله قُرْآناً عَرَبِيًّا أي: بلغة العرب، لكي يفهموه ويقعوا على ما فيه من هدايات وإرشادات وإعجاز للبشر.
وقوله: وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ معطوف على أَنْزَلْناهُ أي: أنزلناه قرآنا عربيا وكررنا ونوعنا فيه ألوانا من الوعيد على سبيل التخويف والتهديد.