نحن الذين سنحفظه ؛ لأن البشر جُرِّبوا في حِفْظ مناهج السماء ، ولم يكونوا أمناء عليها ، فغيَّروا في التوراة وفي الإنجيل وفي الكتب المقدَّسة ، إما بأن يكتموا بعض ما أنزل الله ، وإما أنْ ينسُوا بعضه ، والذي ذكروه لم يتركوه على حاله بل حرَّفوه . وإنْ قُبِل منهم هذا كله فلا يُقبَل منهم أنْ يفتَرُوا على الله فيُؤلِّفون من عندهم ، ويقولون: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} [آل عمران: 78] .
ذلك لأن الحفْظ للمنهج كان موكولاً للبشر تكليفاً ، والتكليف عُرْضَة لأنْ يُطَاع ، ولأن يُعْصَى ، كما قال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله} [المائدة: 44] .
أي: طلب منهم أن يحفظوها بهذا الأمر التكليفي ، فعَصَوْه نسياناً ، وكتماناً ، وتحريفاً ، وزيادة ؛ لذلك تولّى الحق تبارك وتعالى حفْظ القرآن ؛ لأنه الكتاب الخاتم الذي لا استدراكَ عليه ، وضمن سبحانه للقرآن ألاَّ يُحرَّف بأيِّ وجه من أَوْجُه التحريف .
فاطمئنوا إلى أن القرآن كتاب الله الذي بين أيديكم هو كلام الله الذي جاء من علمه تعالى في اللوح المحفوظ الذي قال عنه: {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون} [الواقعة: 7879] .
ثم نزل به الروح الأمين ، وهو مُؤتَمن عليه لم يتصرَّف فيه ، ثم نزل على قلب سيد المرسلين الذي قال الله عنه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين} [الحاقة: 4445] .
إذن: حُفِظ القرآن عِلْماً في اللوح المحفوظ ، وحُفِظ في أمانة مَنْ نزل به من السماء ، وحُفِظ في مَنْ استقبله وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا حجةَ لنا بعد أن جمع الحق سبحانه وتعالى للقرآن كُلَّ ألوان الحفظ .