ورابعا: فِي قوله تعالى: « فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ » إشارة إلى أن عيسى عليه السلام قد ولد ميلادا طبيعيا من رحم أمه ، كما يولد غيره من الناس ، وكما تلد الأمهات أبناءهن .. وأن مريم قد حملت به حملا طبيعيا ، حتى إذا استوفت مدة حمله ، وأحست بالمخاض لجأت إلى جذع نخلة ، واستندت إليها ، حتى تجد القوة على دفع الحمل من رحمها ..
وخامسا: قوله تعالى: « فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا » ..
اختلف فِي المنادى لها: أ هو ملك؟ أم وليدها الذي بدأ يتحرك إلى العالم الخارجي؟ ..
والذي نأخذ به ، هو أن المنادى لها ، لا يكون ملكا ، إذ لو كان ملكا لناداها من علوّ ، وهو الجهة المتنزل منها .. وأنه إذا كان المنادى ملكا فلم يجئ إليها من تحت لا من فوق؟ وإذن فالمنادى لها هو من كان تحتها بالفعل ، وهو وليدها! ..
وفى حديث وليدها إليها فِي هذا الوقت ، ما يكشف لها عن التجربة التي ستواجه بها قومها منه ، حين تدعوه إلى الكلام ، فيتكلم .. ولو أن عيسى لم يكن قد تكلم إليها ، وأسمعها صوته من قبل ، لما وجدت الجرأة على أن تلقى قومها بالطفل ، ثم تلقاهم بهذا التحدّى ، وهو أن تدعوهم إلى الاستماع إليه! ومما يؤيد هذا الرأي قراءة من قرأ: « فَناداها مِنْ تَحْتِها » باعتبار « من اسم موصول » يقع فاعلا ، للفعل ، « نادى » ..
وسادسا: فِي قوله تعالى: « يا أُخْتَ هارُونَ » ..
اختلف فِي هرون هذا .. من يكون؟ أهو هرون النبيّ أخو موسى؟
أم هو أخ لها من أبيها؟ أم هو رجل صالح معروف بين قومها بالتقوى؟ أم هو رجل فاجر يضرب به المثل عندهم لكل من يأتى منكرا؟
والذي نأخذ به أن « هارون » هذا هو هارون النبيّ ، وقد أضيفت إليه ، ولم تضف إلى موسى ، لأنها كانت من نسل هارون ، ولأن موسى لم يعقب نسلا ..