قال ابن عرفة: عادتهم يوردون فيه سؤالا وهو أن الغم الواقع من النفس إن كان لأجل أمر مستقبل فهو خوف، وإن كان لأجل أمر ماض فهو حزن وتألم، إما أن تكون مما يلحقها من المعرة فقط من قومها فهو أمر مستقبل، أو بالسبب الواجب لهذه المعرة وهو أمر ماض أو مجموعهما، وهو مستقبلي؛ لأنه إن كان بعض المجموع مستقبل فالكل مستقبل، وتألمها في الحقيقة، وهو إما أن يلحقها من المعرة فقط، فهلا قال (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَخافي) ؟ قال: والجواب: اختار أنها اغتمت وتأملت للمجموع من المعرة وسببها وراعاها في هذا المجموع سببه وهو ماض تذكيرا لها لما فيه من المعجزة، والأمر الخارق للعادة؛ ففيه تسلية لها عن العالم لما يتوقعه من المعرة وسببها وراعاها في المستقبل.
قوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) }
قال ابن عطية: يؤخذ منه مراعاة الأسباب، وإلا فالله سبحانه قادر على إيصال ذلك إليها من غير هز.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إنما أمرها بالهز؛ لأن فيه اشتغالا لها لتسلى ويزول عنها ما بها من الغم، كما شاهدناه فيمن يكون مغموما فتعلق نفسه بشيء يزيل همه، قالوا: ففي الآية تعدى فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، وأجاب أبو حيان بخمسة أوجه:
إما أنه على إضمار أعني إليك.
وإما أن ذلك اسم.
وإما أن ذلك جائز عند الكوفيين.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: الصواب جوازه هنا، وإنما يمنع حيث يباشر الفاعل المفعول، كقوله: ضربتني وضربتك، وهنا فصل بين الضميرين حرف الجر، وقد أجازوا العطف على المضمر المتصل المرفوع إذا فصل بينه وبين المعطوف بالجر، مثل: (مَا أَشرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا) .
فقيل لابن عرفة: هذا شبه القياس في اللغة، وهو ممنوع عندهم، قيل له: إنه يجاب بأن (إليك) متعلق بـ (تساقط عليك) ويكون بدل اشتمال]؛ لأن الاستعلاء مشتمل على منتهى الغاية.
قلت: وذكرته لصاحبنا الأستاذ أبي الفارس بن القصار فرده بوجهين:
الأول: أن جواب الشرط لَا يجوز تقديم معموله عليه إلا عند الفراء، و (تساقط) هنا جواب للأمر المتضمن معنى الشرط، واحتج المؤلف بقول الشاعر: