مولود إلا يستهلّ غيره «1» فَانْتَبَذَتْ بِهِ أي اعتزلت وهو في بطنها ، كقوله:
تدوس بنا الجماحم والتّريبا «2»
أي تدوس الجماجم ونحن على ظهورها ، ونحوه قوله تعالى تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أي تنبت ودهنها فيها: الجار والمجرور في موضع الحال قَصِيًّا بعيدا من أهلها وراء الجبل. وقيل: أقصى الدار. وقيل: كانت سميت لابن عم لها اسمه يوسف ، فلما قيل: حملت من الزنا ، خاف عليها قتل الملك ، فهرب بها فلما كان ببعض الطريق حدّثته نفسه بأن يقتلها ، فأتاه جبريل فقال: إنه من روح القدس فلا تقتلها ، فتركها.
[سورة مريم (19) : آية 23]
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23)
فَأَجاءَهَا أجاء: منقول من جاء ، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد ، كما تقول: بلغته وأبلغنيه. ونظيره «آتى» حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ، ولم تقل: أتيت المكان وآتانيه فلان. قرأ ابن كثير في رواية الْمَخاضُ بالكسر. يقال: مخضت الحامل مخاضا ومخاضا ، وهو تمخض الولد في بطنها «3» .
طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة ، وكان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة ولا خضرة ، وكان الوقت شتاء ، والتعريف لا يخلو: إمّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق ، كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس ، فإذا قيل: جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخل. وإمّا أن يكون تعريف الجنس ، أي: جذع هذه الشجرة خاصة ، كأن اللّه تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو حرسة النفساء الموافقة لها ، ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد ، وثمارها إنما هي من جمارها ، فلموافقتها لها مع جمع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. قرئ مِتُّ بالضم والكسر. يقال: مات يموت ومات يمات. النسيّ: ما من حقه أن يطرح وينسى ، كخرقة الطامث ونحوها ، كالذبح: اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله تعالى وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وعن
(1) . قوله «ما من مولود إلا يستهل غيره» في الصحاح «استهل الصبى» أي صاح عند الولادة. (ع)
(2) . تقدم شرح هذا الشاهد بصفحة 138 من الجزء الأول فراجعه إن شئت اه مصححه.
(3) . قوله «و هو تمخض الولد في بطنها» في الصحاح «تمخض اللبن واستمخض» أي تحرك في الممخضة ، وكذلك الولد إذا تحرك في بطن الحامل. (ع)