[سورة مريم (19) : آية 8]
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)
أي كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل ، فما رزقت الولد لاختلال أحد السببين ، أفحين اختل السبيان جميعا أرزقه؟ فإن قلت: لم طلب أو لا وهو وامرأته على صفة العتيّ والعقر «1» ، فلما أسعف بطلبته استبعدوا واستعجب؟ قلت: ليجاب بما أجيب به ، فيزداد المؤمنون إيقانا ويرتدع المبطلون ، وإلا فمعتقد زكريا أولا وآخرا كان على منهاج واحد: في أنّ اللّه غنى عن الأسباب ، أي بلغت عتيا: وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل «2» .
يقال: عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية. أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا. وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي بكسر العين ، وكذلك صليا ، وابن مسعود بفتحهما «3» فيهما. وقرأ أبيّ ومجاهد: عسيا «4» .
[سورة مريم (19) : آية 9]
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9)
كَذلِكَ الكاف رفع ، أي الأمر كذلك تصديق له ، ثم ابتدأ قالَ رَبُّكَ أو نصب بقال ، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ونحوه وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ وقرأ الحسن: وهو على هين ، ولا يخرج هذا إلا على الوجه الأول:
أي الأمر كما قلت ، وهو على ذلك يهون على. ووجه آخر: وهو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد اللّه ، لا إلى قول زكريا. و «قال» محذوف في كلتا القراءتين: أي قال هو عليّ هين قال وهو عليّ هين ، وإن شئت لم تنوه ، لأن اللّه هو المخاطب ، والمعنى أنه قال ذلك ووعده
(1) . قال محمود: «ان قلت لم طلب أو لا وهو وامرأته على صفة العتي ... الخ» قال أحمد: وفيما أجاب به نظر ، لأنه التزم أن زكريا استبعد ما وعده اللّه عز وجل بوقوعه ، ولا يجوز للنبي النطق بما لا يسوغ ، لمثل هذه الفائدة التي عينها الزمخشري ويمكن حصولها بدونه ، فالظاهر في الجواب - واللّه أعلم - أن طلبة زكريا إنما كانت ولدا من حيث الجملة ، وبحسب ذلك أجيب ، وليس في الإجابة ما يدل على أنه يولد له وهو هرم ، ولا أنه من زوجته وهي عاقر ، فاحتمل عنده أن يكون الموعود وهما بهذه الحالة ، واحتمل أن تعاد لهما قوتهما وشبابهما ، كما فعل اللّه ذلك لغيرهما.
أو أن يكون الولد من غير زوجته العاقر ، فاستبعد الولد منهما وهما بحالهما ، فاستخبر أيكون وهما كذلك ، فقيل:
كذلك ، أي: يكون الولد وأنتما كذلك ، فقد انصرف الإيعاد إلى عين الموعود فزال الأشكال ، واللّه أعلم. []
(2) . قوله «كالعود القاحل» أي اليابس ، كذا في الصحاح. (ع)
(3) . قوله «بفتحهما» لعله بفتحها. (ع)
(4) . قوله «عسيا» في الصحاح: عسى الشيخ يعسو عسيا: ولى وكبر ، مثل عتا. (ع)