وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء . كأنه يستثبت الخبر من عند ربه . كيف يأتي هذا الغلام ؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ولوداً ؟ أو يتزوج / غيرها ممن تلد ؟ أو كيف ذلك ؟ على طريق الاسترشاد لا على طريق الإنكار ، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله . فلا يجوز الإنكار فيه البتة.
وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله إذا امرأته عاقر.
قال السدي: نادى جبريل صلى الله عليه وسلم زكرياء: {يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمه يحيى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} . فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا ، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله ، إنما هو من الشيطان سخر بك ، ولو كان من الله أوحاه إليك ما يوحى إليك غيره من الأمر فشك مكانه وقال: {أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ أمرأتي عَاقِراً} .
وقوله:"عُتِيّاً"أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام . يقال للعود اليابس ، عود عات وعاس.
وقال قتادة:"عُتِيّاً نسئاً ، وكان ابن بضع وسبعين سنة . وقيل: سبعين سنة ."
ثم قال تعالى: {كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} .
الكاف في موضع رفع . والمعنى ، قال: الأمر كذلك ، أي: الأمر كما قيل لك . أي: أهب لك غلاماً اسمه يحيى ، هو عليّ هين . أي: خلقه عليّ هين . {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} أي: ليس خلقنا لغلام نهبه لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئاً موجوداً . هو نفي للعين عام . ولو قال:"ولم تك رجلاً أو إنساناً"لم يكن ذلك نفيا للعين ولا نفياً عاماً . فافهمه.
قوله تعالى ذكره: {قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس} . إلى قوله: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} .
أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة ، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك ، ومتى يكون.