ثم قال تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً} ، يعني: إن رأيت أحداً من الناس ، {فَقُولِى} إن سألك أحد شيئاً فقولي: {إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً} ، يعني: صمتاً.
وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ {إِنّى نَذَرْتُ للرحمن} .
{صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً} ؛ يعني: قولي ذلك بالإشارة لا بالقول ، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام.
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا} ؛ وذلك أن مريم حملت عيسى عليه السلام ودخلت على أهلها ، وكان أهلها أهل بيت صالحين.
{قَالُواْ} لها أي قومها: {قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} ، يعني: أتيت وفعلت أمراً عظيماً منكراً ، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك {فَأَرْسِلْ إلى هارون} ، يعني: هارون بن ماثان ، وكان من أمثل بني إسرائيل {فَأَرْسِلْ إلى هارون} ، يعني: يا شبه هارون في الصلاة والصلاح ، ويقال: كان رجل سوء يسمى هارون فعيّروها به وشبهوها بهارون ، ويقال: كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها ، وذكر أن أهل الكتاب قالوا: كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ستمائة سنة؟ فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ"يعني: أن أخا مريم سُمِّي باسم هارون النبي عليه السلام.
ثم قال: {مَا كَانَ أَبُوكِ أمرأ سَوْء} ، يعني: زانياً {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} ، يعني: فاجرة.
{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} ، يعني: أشارت إلى عيسى عليه السلام أن كلموه ، يعني: كلموا عيسى.
{قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى المهد صَبِيّاً} ؟ يعني: من هو في الحجر وهو رضيع.