وقوله في هذه الآية الكريمة: {آتَانِيَ الكتاب وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} التحقيق فيه إن شاء الله: أنه عبر بالماضي عما سيقع في المستقبل لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. ونظائره في القرآن كثيرة. كقوله تعالى: {أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] ، وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكتاب وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} [الزمر: 68 - 70] . {وَسِيقَ الذين كفروا} [الزمر: 68 - 71] . وقوله تعالى: {وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ} [الزمر: 73] .
فهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل. تنزيلاً لتحقق الوقوع منزلة الوقوع بالفعل ، ونظائرها كثيرة في القرآن. وهذا الذي ذكرنا - من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى: {آتَانِيَ الكتاب} الخ بمعنى المستقبل هو الصواب إن شاء الله. خلافاً لمن زعم أنه نبيء وأوتي الكتاب في حال صباه لظاهر اللفظ. وقوله {وجلعني مباركاً} أي كثير البركات. لأنه يعلم الخير ويدعو إلى الله ، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية {مباركاً أين ما كنت} : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاعاً حيث كنت. وقال ابن حجر في (الكافي الشاف) : أخرجه أبو نعيم (في الحلية) في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبس هريرة بهذا وأتم. وقال: تفرد به هشيم عن يونس ، وعنه شعيب بن محمد الكوفي ، ورواه ابن مردويه من هذا الوده اهـ.