قوله تعالى: {فَقُولِي} فيه اختصار؛ لأن المعنى: فإما ترين من البشر أحدًا فسألك عن ولدك فقدلي: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} قال ابن عباس: (صمتا) . ومعنى الصوم في اللغة: الإمساك عن الأكل وعن الكلام. والمعنى أوجبت على نفسي لله تعالى أن لا أتكلم.
وقال قتادة: (صامت من الكلام، والطعام، والشراب) .
وعلى هذا معنى قوله: {نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} هو الصوم المعروف الذي هو عبادة. قال السدي، وابن زيد: (كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم الصائم حتى يمسي) . ويدل على صحة هذا القول قوله: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} أي: إني صائم فلا أكلم اليوم أحدًا. ولو أريد بالصوم هاهنا الصمت فقط لم يحتج إلى قوله فلن أكلم اليوم. وأيضًا فإنه قال: {نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} والصوم الذي هو لله إنما هو ترك الطعام لا ترك الكلام.
قال المفسرون: (كان قد أذن لها أن تقول: {نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [ثم تسكت ولا تتكلم بشيء آخر) .
وقال قوم: (كانت تقول هذا القدر إشارة بحيث يعرف أنها ممسكة عن الكلام) . وأما سبب أمرها] بترك الكلام فقال ابن مسعود، وابن زيد، ووهب: (أمرت بالصمت؛ لأنها لم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة في شأن ولدها، فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ به ساحتها) . وقيل في قوله: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} خصت الإنس لأنها كانت تكلم الملائكة.