عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَوْلُهُ {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} قَالَ عِيسَى: أَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الَّذِي نَادَاهَا ابْنُهَا
عِيسَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ كِنَايَةِ ذِكْرِهِ أَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ ذِكْرِ جَبْرَائِيلَ، فَرَدَّهُ عَلَى الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ عَلَى الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، أَلَا تَرَى فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا}
يَعْنِي بِهِ: فَحَمَلَتْ عِيسَى فَانْتَبَذَتْ بِهِ، ثُمَّ قِيلَ: فَنَادَاهَا نَسَقًا عَلَى ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ عِيسَى وَالْخَبَرِ عَنْهُ، وَلِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} وَلَمْ تُشِرْ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّهُ نَاطِقٌ فِي حَالِهِ تِلْكَ، وَلِلَّذِي كَانَتْ قَدْ عَرَفَتْ وَوَثَقَتْ بِهِ مِنْهُ بِمُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهَا بِقَوْلِهِ لَهَا: {أَنْ لَا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا أَشِيرِي لِلْقَوْمِ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا مِنْ جَبْرَائِيلَ، لَكَانَ خَلِيقًا أَنْ يَكُونَ فِي ظَاهِرِ الْخَبَرِ، مُبَيَّنًا أَنَّ عِيسَى سَيَنْطِقُ وَيَحْتَجُّ عَنْهَا لِلْقَوْمِ، وَأَمْرٌ مِنْهُ لَهَا بِأَنْ تُشِيرَ إِلَيْهِ لِلْقَوْمِ إِذَا سَأَلُوهَا عَنْ حَالِهَا وَحَالِهِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي بَيَّنَّا، فَبَيِّنٌ أَنَّ كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ أَعِنِّي {مِنْ تَحْتِهَا} بِالْكَسْرِ، «وَمِنْ تَحْتَهَا» بِالْفَتْحِ صَوَابٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قُرِئَ بِالْكَسْرِ كَانَ فِي قَوْلِهِ {فَنَادَاهَا} ذِكْرٌ مِنْ عِيسَى: وَإِذَا قُرِئَ (مَنْ تَحْتَهَا) بِالْفَتْحِ كَانَ الْفِعْلُ لِمَنْ وَهُوَ عِيسَى.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: فَنَادَاهَا الْمَوْلُودُ مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي يَا أُمَّهْ {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَالَتْ: وَكَيْفَ لَا أَحْزَنُ وَأَنْتَ مَعِي، لَا ذَاتُ زَوْجٍ فَأَقُولُ مِنْ زَوْجٍ، وَلَا مَمْلُوكَةٌ فَأَقُولُ مِنْ سَيِّدِي، أَيُّ شَيْءٍ عُذْرِي عِنْدَ النَّاسِ {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} فَقَالَ لَهَا عِيسَى: أَنَا أَكْفِيكِ الْكَلَامَ.