فأما أن تلك المعجزة من أي الأنواع كانت فليس في القرآن دلالة عليه ، كما لم يحصل في القرآن الدلالة على كثير من معجزات رسولنا.
قال صاحب"الكشاف": ومن معجزات شعيب أنه دفع إلى موسى عصاه ، وتلك العصا حاربت التنين ، وأيضاً قال لموسى: إن هذه الأغنام تلد أولاداً فيها سواد وبياض ، وقد وهبتها منك ، فكان الأمر كما أخبر عنه.
ثم قال: وهذه الأحوال كانت معجزات لشعيب عليه السلام ، لأن موسى في ذلك الوقت ما ادعى الرسالة.
واعلم أن هذا الكلام بناء على أصل مختلف بين أصحابنا ، وبين المعتزلة وذلك لأن عندنا أن الذي يصير نبياً ورسولاً بعد ذلك ، يجوز أن يظهر الله عليه أنواع المعجزات قبل إيصال الوحي ، ويسمى ذلك إرهاصاً للنبوة ، فهذا الإرهاص عندنا جائز ، وعند المعتزلة غير جائز ، فالأحوال التي حكاها صاحب"الكشاف"هي عندنا إرهاصات لموسى عليه السلام ، وعند المعتزلة معجزات لشعيب لما أن الإرهاص عندهم غير جائز ، والثالث: أنه قال: {فَأَوْفُواْ الكيل والميزان} .
واعلم أن عادة الأنبياء عليهم السلام إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالاً أكثر من إقبالهم على سائر أنواع المفاسد بدأوا يمنعهم عن ذلك النوع ، وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف ، فلهذا السبب بدأ بذكر هذه الواقعة فقال: {فَأَوْفُواْ الكيل والميزان} وههنا سؤالان:
السؤال الأول: الفاء في قوله: {فَأَوْفُواْ} توجب أن تكون للأمر بإيفاء الكيل كالمعلول والنتيجة عما سبق ذكره وهو قوله: {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ} فكيف الوجه فيه ؟
والجواب: كأنه يقول البخس والتطفيف عبارة عن الخيانة بالشيء القليل.
وهو أمر مستقبح في العقول ، ومع ذلك قد جاءت البينة والشريعة الموجبة للحرمة ، فلم يبق لكم فيه عذر {فَأَوْفُواْ الكيل} .
السؤال الثاني: كيف قال {الكيل والميزان} ، ولم يقل {المكيال والميزان} [هود: 84] كما في سورة هود ؟