وفي تسمية هذا الفعل بالفاحشة دليل على أنه يجري مجرى الزنا يرجم من أحصن، ويجلد من لم يحصن، وفعله عبد الله بن الزبير: أتى بسبعة منهم، فرجم أربعة أحصنوا، وجلد ثلاثة، وعنده ابن عمر وابن عباس، ولم ينكروا به، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يرجم أحصن أو لم يحصن، وكذا المفعول به إن كان محتلما، وعنده يرجم المحصن ويؤدب، ويحبس غير المحصن؛ وهو مذهب عطية وابن المسيب والنخعي وغيرهم. وعن مالك أيضا: يعزر أحصن أو لم يحصن؛ وهو مذهب أبي حنيفة. وحرّق خالد بن الوليد - رضي الله عنه - رجلا يقال له الفجاء عمل ذلك العمل، وذلك برأي أبي بكر وعلي، وإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمع رأيهم عليه، وفيهم علي بن أبي طالب ذكره أبو حيان.
81 -والاستفهام في قوله: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ} للإنكار والتوبيخ أيضا، وهذا أشنع مما سبق؛ لتأكيده بأن وباللام واسمية الجملة. ذكره أبو السعود، وهذا بيان لقوله: {أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ} ؛ أي: أئنكم أيها القوم لتأتون وتطؤون أدبار الرجال {شَهْوَةً} ؛ أي: لمجرد الشهوة واللذة، لا للولد ولا للألفة، وقوله: {مِنْ دُونِ النِّساءِ} حال من الواو في {تَأْتُونَ} ؛ أي: تطؤون أدبار الرجال حال كونكم متجاوزين النساء، وتاركين إياهن، أو حال من {الرِّجالَ} ؛ أي: حال كونهم منفردين عن النساء. والمراد بالإتيان هنا: الاستمتاع الذي عهد بمقتضى الفطرة بين الزوجين، وداعيته الشهوة وقصد النسل.
وإنما ذمهم وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل القبيح الخبيث؛ لأن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان، وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة وموضعا للنسل، فإذا تركهن الإنسان، وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال، فكأنما أسرف وجاوز الحد واعتدى؛ لأنه وضع الشيء في غير محله، وموضعه الذي خلق له؛ لأن أدبار الرجال ليست محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان.