فلم يزل صالح يدعوهم .. فم يؤْمن به إلا قليلٌ منهم من المستضعفين. فلما ألحَّ عليهم بالتخويف والإِنذار، طلبوا منه آية تشهد له بأَنه مرسل من عند الله تعالى. فقال لهم: أيّة آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إِلى عيدنا، في يوم معلوم لهم من السنة، فتدعو إلهك وندعوا آلهتَنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإِن استجيب لنا اتبعتنا. فوافقهم صالح. فلما خرجوا في عيدهم، دَعَوْا أَوثانهم فلم تستجب لهم. فأشار رئيسُهم إِلى صخرةٍ وقال لصالح: أخرج لنا ناقةً - وذَكَرَ أَوْصَافَها - فإن فعلتَ صدقناك. فأَخذ عليهم العهود بذلك. ثم صّلى ودعا الله، فتمخضتِ الصخرةُ عن ناقة حسب الأوصاف التي أَرادوها، فقال لهم صالح:
{قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً} وإِضافة الناقة إلى اللهِ لتعظيمها، ولأنها جاءِتهم من عنده - سبحانه - بلا وسائط وأَسباب معهودة. ولذا كانت آية.
وكان من عظم جسمها وعجيب أَمرها، أَنها إذا وضعت فمَها في الماء شربته كله. فلذا جُعِلَ لها يوم تختص فيه بشرب الماء، ولهم يوم آخر لا تشاركهم في شربه.
وفي ذلك يقول الله تعالى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} وكانت تعطيهم لبنا بدل الماء في اليوم الذي تختص فيه بالماء، فيشربون ويدخرون.
فآمن بـ"صالح"جماعةٌ، بعد ظهور هذه الآية، وكفر به آخرون.
وكانت أَنعامُهم تهرب منها إِذا أَبصرتها ترعى. فشقَّ ذلك عليهم. ولذا قال لهم صالح - عليه السلام -، محذّرا من مسّها بسوءٍ.
{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} :
أي فاتركوها تأَكل العشب في أرض الله، فإن الناقة ناقة الله، والأرض أَرضه - سبحانه -. فليس لكم أن تحولوا بينها وبين رزقها في أَرض الله، ولا أن تتعرضوا لها بشئٍ يسوءُها، كمنعها الماء والمرعى، وغير ذلك من أنواع الإيذاءٍ، اتقاءَ أَن يأْخذكم عذاب شديد الإيلام، بسبب إِهانتكم لآية الله.
74 - {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ ... } الآية.