وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا كَرَاهَةَ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ، كَمَا يُقَالُ: إِيَّاكَ أَنْ تَفْعَلَ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَفْعَلَ، أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا فَلَا تَمُوتَا.
وَالْقِرَاءَةُ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ بِمَعْنَى مَلَكَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا، مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا: (مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَيَحْيَى وَجَّهَا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ لَهُمَا: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ) مِنَ الْمُلُوكِ، وَأَنَّهُمَا تَأَوَّلَا فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِهَا، الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ فَتْحُ اللَّامِ مِنْ (مَلَكَيْنِ) ، بِمَعْنَى: مَلَكَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لِمَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِنَا فِي أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُسْتَفِيضًا فِي قِرَاءَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، فَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَقَاسَمَهُمَا} : وَحَلَفَ لَهُمَا، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ} بِمَعْنَى: تَحَالَفُوا بِاللَّهِ، وَكَمَا قَالَ خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ عَمُّ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
[البحر الطويل]
وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا
بِمَعْنَى: وَحَالَفَهَا بِاللَّهِ، وَكَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر الطويل]
رَضِيعَيْ لَبَانِ ثَدْيِ أُمٍّ تَقَاسَمَا ... بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لَا نَتَفَرَّقُ
بِمَعْنَى: تَحَالَفَا.