قوله - عز وجل -: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)
القنوت هَاهُنَا: العبادة نفسها، فأشبه وجوهه طول القيام في الصلاة
[بمجاورته] ذكر السجود.
وقيل: إنها لما خوطبت بهذا قامت لله - عز وجل - حتى تفطرت قدماها، فهذه صلاة
الفضيلة.
ثم قال جلَّ قوله: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) يريد - والله أعلم - بما أراده
المحافظة على صلاة الجماعة، كذلك قال جلَّ قوله لبني إسرائيل في الكتاب الذي
هو التوراة وفي القرآن، ونحن المراد معهم في ذلك: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورًا".
قوله جلَّ ذكره: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45)
إلى قوله جل قوله: (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) هذا كلام منظم
بذكر الاصطفاء الثاني، تقديره والله أعلم: أو اصطفاك على نساء العالمين، إذ قالت
الملائكة... . إلى آخر المعنى، والجملة متضمنة المعنى بذكر الاصطفاء.
قوله جلَّ قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ)
من اصطفائه إياها أن جعلها تحمل بروح منه وكلمة منه ورحمة منه،
وآية من آياته المسيح عيسى - صلوات الله عليه - على المعنى الذي قصه - جلَّ جلالُه - في
كتابه المنزل من قوله جل قوله:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا
شَرْقِيًّا... .)إلى قوله جلَّ قوله: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا) .
وهذه هي الكلمة التي ألقاها - جلَّ وتعالى - إلى مريم، والله أعلم باصطفائها
بأن أغناها عن البعولة، وفرغ قلبها من ذلك لعبادته، وقطع - جلَّ جلالُه - عنها الخواطر
المشتغلات، وأقام لها أمره العلا وروحه القدس في حملها بخير البشر مقام البعل،