شهيدًا فهو حي بعد، وإنما يموت في مستقبل الأمر، (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) إشارة إلى
المعنى بتسميته بيحى (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) يوم البعث الآخر.
قوله تعالى: (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42)
كرر - جلَّ جلالُه - وتعالى علوه وشأنه ذكر الاصطفاء في شخص واحد.
ومعنى ذلك - والله أعلم - أن الاصطفاء الأول هو ما يسبقه لأوليائه قبل
معاني النبوة، والاصطفاء الذي حَمَّلها بجملة أحكامه في ذواتهم أولا، ثم يفصلها
-جلَّ جلالُه - بعد تفصيلاً بالوحي والإنباء، وذلك مقوم النبوة في درجتها مقام الفطرة على
الإسلام للمسلمين خاصةً، ثم لجميع الموجودات عامة.
سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: متى كنت نبيًا؟ قال - صلى الله عليه وسلم -:"وآدم بين الروح والجسد".
وأعرق من هذا في القدم - صلى الله عليه وسلم -"إن الله خلق الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق"
النبيين وعرشه على الماء"."
ومصداقه قول الله - جلَّ جلالُه -:(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ
وَحِكْمَةٍ...)هذا ما ذكره من شرح جبريل - عليه السَّلام - صدره صبيًا،
واستخراج قلبه وغسله بماء زمزم بعد استخراجه منه العلقة السوداء، وقال:"هذا"
حظ الشيطان منك"وأفرغ الإيمان والحكمة فيه حتى ملأه."
وجاء:"إن الله - جلَّ جلالُه - أوحى إلى أرميا - عليه السَّلام -: إني قبل أن أخلقك اخترتك، وقبل أن"
أصورك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ أشدك نبهتك ولأمر عظيم اجتبيتك"."
ثم الاصطفاء الثاني حال يوم أهَّلها لكراماته، وتكليم الملائكة - عليهم السلام
-إياها، وعلى سنن النشء بين ذلك حتى يكمل - جلَّ جلالُه - النعمة على عبده المراد به،
ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"كمل من الرجال كثيرون، ولم يكمل من النساء إلا"
ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد..."."