وَالْجَاهُ: مَقْلُوبٌ قُلِبَتْ وَاوُهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْعَيْنِ مِنْهُ، فَقِيلَ جَاهٌ، وَإِنَّمَا هُوَ وَجْهٌ وَفَعْلٌ مِنَ الْجَاهِ: جَاهَ يَجُوهُ، مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ: أَخَافُ أَنْ يَجُوهَنِي بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، بِمَعْنَى: أَنْ يَسْتَقْبِلَنِيَ فِي وَجْهِي بِأَعْظَمَ مِنْهُ، وَأَمَّا نَصِيبُ الْوَجِيهِ فَعَلَى الْقَطْعِ مِنْ عِيسَى، لِأَنَّ عِيسَى مَعْرِفَةٌ، وَوَجِيهٌ نَكِرَةٌ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِهِ، وَلَوْ كَانَ مَخْفُوضًا عَلَى الرَّدِّ عَلَى الْكَلِمَةِ كَانَ جَائِزًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُ مِمَّنْ يُقَرِّبُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُسْكِنَهُ فِي جِوَارِهِ، وَيُدْنِيهِ مِنْهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) }
أَمَّا قَوْلُهُ: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ، وُمَكَلِّمًا النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، فَ «يُكَلِّمُ» وَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا، لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ «يُفَعِّلُ» بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعَوَامِلِ فِيهِ، فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الرجز]
بِتُّ أُعَشِّيهَا بِعَضْبٍ بَاتِرٍ ... يَقْصِدُ فِي أَسْوُقِهَا وَجَائِرِ
وَأَمَّا الْمَهْدُ: فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ مَضْجَعَ الصَّبِيِّ فِي رَضَاعِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} قَالَ: «مَضْجَعُ الصَّبِيِّ فِي رَضَاعِهِ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَكَهْلًا} فَإِنَّهُ وَمَحْتُنِكًا فَوْقَ الْغُلُومَةِ وَدُونَ الشَّيْخُوخَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ كَهْلٌ، وَامْرَأَةٌ كَهْلَةٌ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
وَلَا أَعُودُ بَعْدَهَا كَرِيَّا ... أُمَارِسُ الْكَهْلَةَ وَالصَّبِيَّا