وَإِنَّمَا قِيلَ: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} لِأَنَّ إِلْقَاءَ الْمُسْتَهِمِينَ أَقْلَامَهُمْ عَلَى مَرْيَمَ إِنَّمَا كَانَ لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ أَوْلَى بِكَفَالَتِهَا وَأَحَقُّ، فَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} دَلَالَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ: «لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ يَكْفُلُ وَلِيَتَبَيَّنُوا ذَلِكَ وَيَعْلَمُوهُ» .
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي «أَيُّهُمْ» النَّصْبُ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ وَالتَّبَيُّنَ وَالْعِلْمَ مَعَ «أَيِّ» يَقْتَضِي اسْتِفْهَامًا وَاسْتِخْبَارًا، وَحَظُّ «أَيِّ» فِي الِاسْتِخْبَارِ الِابْتِدَاءُ، وَبِطُولِ عَمَلِ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِخْبَارِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: لَأَنْظُرَنَّ أَيُّهُمْ قَامَ، لَأَسْتَخْبِرَنَّ النَّاسَ أَيُّهُمْ قَامَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَأَعْلَمَنَّ،
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ مَعْنَى يَكْفُلُ يَضُمُّ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ قَوْمِ مَرْيَمَ، إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا أَيُّهُمْ أَحَقُّ بِهَا وَأَوْلَى، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوْبِيخٌ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، يَقُولُ: كَيْفَ يَشُكُّ أَهْلُ الْكُفْرِ بِكَ مِنْهُمْ، وَأَنْتَ تُنْبِئُهُمْ هَذِهِ الْأَنْبَاءَ وَلَمْ تَشْهَدْهَا وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ يَوْمَ فَعَلُوا هَذِهِ الْأُمُورَ، وَلَسْتَ مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ فَعَلِمَ نَبَأَهُمُ، وَلَا جَالِسَ أَهْلَهَا فَسَمِعَ خَبَرَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) }