تلك هي بعض الكلمات الطيبات والدعوات الخاشعات، التي توجهت بها امرأة عمران إلى ربها عند ما أحست بالحمل في بطنها وعند ما وضعت حملها حكاها القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر، فماذا كانت نتيجتها؟
كانت نتيجتها أن أجاب الله دعاءها وقبل تضرعها، وقد حكى - سبحانه - ذلك بقوله:
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً.
والفاء في قوله: فَتَقَبَّلَها تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة، والضمير يعود إلى مريم. والتقبل - كما يقول الراغب - قبول الشيء على وجه يقتضى ثوابا كالهدية ونحوها.
وإنما قال - سبحانه - فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ ولم يقل بتقبل: للجمع بين الأمرين: التقبل الذي هو الترقي في القبول، والقبول الذي يقتضى الرضا والإثابة».
والمعنى: أن الله - تعالى - تقبل مريم قبولا مباركا وخرق بها عادة قومها، فرضي أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته كالذكور، مع كونها أنثى وفاء بنذر الأم التقية التي قالت رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً أي رباها تربية حسنة، وصانها من كل سوء، فكان حالها كحال النبات الذي ينمو في الأرض الصالحة حتى يؤتى ثماره الطيبة.
وهكذا قيض الله - تعالى - لمريم كل ألوان السعادة الحقيقية، فقد قبلها لخدمة بينه مع أنها أنثى، وأنشأها حسنة بعيدة عن كل نقص خلقي أو خلقي، وهيأ لها وسائل العيش الطيب من حيث لا تحتسب. فقد قال - تعالى - وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.
قوله وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أي ضمها إلى زكريا، لأن الكفالة في أصل معناها الضم. أي ضمها الله - تعالى - إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها.
وقرئ وَكَفَّلَها بتخفيف الفاء. وبرفع زَكَرِيَّا على أنه فاعل. وعلى هذه القراءة تنطق كلمة زكريا بالمد قبل الهمزة فقط أي «زكرياء» .
أما على القراءة الأولى فيجوز في زكريا المد والقصر.