والمعنى: وإنى يا خالقي مع حبى لأن يكون المولود ذكرا لتتهيأ له خدمة بيتك فقد رضيت بما وهبت لي، وإنى قد سميت هذه الأنثى التي أعطيتنى إياها مريم. أي العابدة الخادمة لك، وإنى أحصنها وأجيرها بكفالتك لها ولذريتها من الشيطان الرجيم الذي يزين للناس الشرور والمساوئ.
قال القرطبي: وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه» .
ثم قال أبو هريرة: «اقرءوا إن شئتم: وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» .
قال علماؤنا: فأفاد هذا الحديث أن الله - تعالى - استجاب دعاء أم مريم .. ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.
وقوله: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ معطوف على إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وما بينهما اعتراض.
وهذا على قراءة الجمهور التي جاءت بتسكين التاء في وَضَعَتْ في قوله - تعالى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ.
وأما على قراءة غير الجمهور التي جاءت بضم التاء في قوله: وَضَعَتْ فيكون أيضا معطوفا على إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ويكون هذا القول وما عطف عليه في محل نصب بالقول، والتقدير: قالت: إنى وضعتها أنثى، وقالت: الله أعلم بما وضعت وقالت: ليس الذكر كالأنثى، وقالت: إنى سميتها مريم.
وأتى في قوله: وَإِنِّي أُعِيذُها بخبر إن فعلا مضارعا للدلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها، بخلاف وضعتها، وسميتها، حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما.
وقوله: وَذُرِّيَّتَها معطوف على الضمير المنصوب في أعيذها.
وفي التنصيص على إعاذتها وإعاذة ذريتها من الشيطان الرجيم، رمز إلى طلب بقائها على قيد الحياة حتى تكبر وتكون منها الذرية الصالحة.