وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً فِي قدرة الله تعالى غير مجوّز وقوع الخوارق ، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب فِي الطلب . وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة فِي حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها . قال المتكلمون: إن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص فِي منصبه . وقول إن دعا النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له فِي كل دعاء إلى إذن مخصوص ، بل يكفي له الإذن فِي الدعاء على الإطلاق والغالب فِي دعوته الإجابة ، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح ، ويضمر فِي دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه . ومعنى قوله: {من لدنك} أن حصول الولد فِي العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة فِي حقه . فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب فِي هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب . والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: {فهب لي من لدنك ولياً} [مريم: 5] قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية فِي الظاهر . فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرىعلى المعنى ، وهذا فِي أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة ، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص ، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير . {إنك سميع الدعاء} يعني سماع إجابة . وذلك لما عهد من الإجابة فِي غير هذه الواقعة كما قال فِي سورة مريم {ولم أكن بدعائك رب شقياً} [مريم: 4] . {فنادته الملائكة} ظاهر اللفظ للجمع وهذا فِي باب التشريف أعظم . ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه