فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان فِي إغوائه إلا مريم وابنها . وهذا المعنى يعم جميع من كان فِي صفتهما من عباد الله المخلصين . قال فِي الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه . قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه فِي وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به فِي وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر فِي هيئات النفس وأحوالها ، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية ، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية . قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟ وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها ، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله . فإذا رأى شيئاً بعينه فِي وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله لا من عند غيره . فعند ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة . ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله ، لا من عند غيره . على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق ، بل كانوا يرغبون فِي الإنفاق على الزاهدات العابدات . فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي ، وكان يسألها عن كيفية الحال . قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك فِي القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة . على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله فِي طلبه فكان عالماً بحصوله ، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية