الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ مَعًا، كِلَاهُمَا مَشْهُودٌ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْوَاوِ وَإِرَادَتِهَا، وَالتَّقْدِيرُ: وَأَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، فَتَكُونُ جُمْلَةً اسْتَغْنَى فِيهَا عَنْ حَرْفِ الْعَطْفِ بِمَا تَضَمَّنَتْ مِنْ ذِكْرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَمَا وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ {ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22] فَيَحْسُنُ ذِكْرُ الْوَاوِ وَحَذْفُهَا، كَمَا حُذِفَتْ هُنَا، وَذُكِرَتْ فِي قَوْلِهِ {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22] .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ - وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ -: أَنْ يَجْعَلَ"أَنَّ"الثَّانِيَةَ بَدَلًا مِنْ
الْأُولَى، وَالتَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَقَوْلُهُ {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18] تَوْطِئَةٌ لِلثَّانِيَةِ وَتَمْهِيدٌ، وَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْبَدَلِ الَّذِي الثَّانِي فِيهِ نَفْسُ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْقِيَامُ بِحَقِّهَا، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ بَابِ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ الْإِسْلَامُ، فَلِمَ عَدَلَ إِلَى لَفْظِ الظَّاهِرِ؟
قِيلَ: هَذَا يُرَجِّحُ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّهَا أَفْصَحُ وَأَحْسَنُ، وَلَكِنْ يَجُوزُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196]
وَقَالَ {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69]