وبعد ذلك يقول الحق:"ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"والخوف هو الحذر من شيء يأتي ، فمن الخائف ؟ من المخوف ؟ ومن المخوف عليه ؟"ولا خوف عليهم"ممن ؟
يجوز أن يكون"ولا خوف عليهم"من أنفسهم ؛ فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب ، فالنفس واحدة خائفة ومخوف عليها ، إنها خائفة الآن ومخوف عليها بعد الآن. فالتلميذ عندما يخاف أن يرسب ، لا يقال: إن الخائف هو عين المخوف ؛ لأن هذا فِي حاله ، وهذا فِي حاله. أو"لا خوف عليهم"من غيرهم ، فمن الجائز أن يكون حول كثير من الأغنياء أناس حمقى حين يرون أيدي هؤلاء مبسوطة بالخير للناس فيغمرونهم ليمسكوا مخافة أن يفتقروا كأن يقولوا لهم:"استعدوا للزمن فوراءكم عيالكم". لكن أهل الخير لا يستمعون لهؤلاء الحمقى. إذن فـ"لا خوف عليهم"لا من أنفسهم ، ولا من الحمقى حولهم. ويتابع الحق:"ولا هم يحزنون"أي لا خوف عليهم الآن ، ولا حزن عندهم حين يواجهون بحقائق الخير التي ادخرها الله سبحانه وتعالى لهم بل إنهم سيفرحون.
بعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى قضية من أخطر قضايا العصر ، وهذه القضية كان ولابد أن يتعرض لها القرآن ؛ لأنه يتكلم عن النفقة وعن الإنفاق ولا شك أن ذلك يقتضي منفقا ومنفقا عليه ؛ لأنه عاجز ، فهب أن الناس شحوا ، ولم ينفقوا ، فماذا يكون موقف العاجز الذي لا يجد ؟ إن موقفه لا يتعدى أمرين: إما أن يذهب فيقترض ، وإن لم يقبل أحد أن يقرضه فهو يأخذ بالربا والزيادة وإلا فكيف يعيش ؟
إذن فالآيات التي نحن بصددها تعرضت للهيكل الاقتصادي فِي أمة إسلامية جوادة ، أو أمة إسلامية بخيلة شحيحة ، لماذا ؟