ووراء هذه الانبعاثات والإشراقات والاستقبالات ما في القمر , وما في الليل , وما في الصبح من حقيقة عجيبة هائلة يوجه القرآن إليها المدارك , وينبه إليها العقول . ومن دلالة على القدرة المبدعة والحكمة المدبرة , والتنسيق الإلهي لهذا الكون , بتلك الدقة التي يحير تصورها العقول .
ويقسم الله سبحانه بهذه الحقائق الكونية الكبيرة لتنبيه الغافلين لأقدارها العظيمة , ودلالاتها المثيرة . يقسم على أن (سقر) أو الجنود التي عليها , أو الآخرة وما فيها , هي إحدى الأمور الكبيرة العجيبة المنذرة للبشر بما وراءهم من خطر:
إنها لأحدى الكبر , نذيرا للبشر . .
والقسم ذاته , ومحتوياته , والمقسم عليه بهذه الصورة . . كلها مطارق تطرق قلوب البشر بعنف وشدة ,وتتسق مع النقر في الناقور , وما يتركه من صدى في الشعور . ومع مطلع السورة بالنداء الموقظ: (يا أيها المدثر) والأمر بالنذارة: (قم فأنذر) . . فالجو كله نقر وطرق وخطر !!
الدرس السادس:37 - 48 إعتراف المجرمين بأسباب دخولهم سقر
وفي ظل هذه الإيقاعات المثيرة الخطيرة يعلن تبعة كل نفس لذاتها وعلى ذاتها ; ويدع للنفوس أن تختار طريقها ومصيرها ; ويعلن لها أنها مأخوذة بما تكسبه باختيارها , مرهونة بأعمالها وأوزارها:
(لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر . كل نفس بما كسبت رهينة) . .
فكل فرد يحمل هم نفسه وتبعتها , ويضع نفسه حيث شاء أن يضعها , يتقدم بها أو يتأخر , ويكرمها أو يهينها . فهي رهينة بما تكسب , مقيدة بما تفعل . وقد بين الله للنفوس طريقة لتسلك إليه على بصيرة , وهو إعلان في مواجهة المشاهد الكونية الموحية , ومشاهد سقر التي لا تبقي ولا تذر . . له وقعه وله قيمته !
وعلى مشهد النفوس الرهينة بما كسبت , المقيدة بما فعلت , يعلن إطلاق أصحاب اليمين من العقال , وإرسالهم من القيد , وتخويلهم حق سؤال المجرمين عما انتهى بهم إلى هذا المصير: