وهو قولهم: {يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى ردّاً عليهم وتكذيباً لقولهم {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أي برحمة ربك.
والنعمة ههنا الرحمة.
ويحتمل ثانياً أن النعمة ههنا قَسَم ؛ وتقديره: ما أنت ونعمةِ ربك بمجنون ؛ لأن الواو والباء من حروف القسم.
وقيل هو كما تقول: ما أنت بمجنون ، والحمد لله.
وقيل: معناه ما أنت بمجنون ، والنعمة لربك ؛ كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك ؛ أي والحمد لله.
ومنه قول لبِيد:
وأفردْتُ في الدنيا بفقد عشيرتي ...
وفارقني جارٌ بأرْبَدَ نافِعُ
أي وهو أربد.
وقال النابغة:
لم يُحْرَمُوا حُسْنَ الغِذاء وأمُّهم ...
طَفَحتْ عليك بناتق مِذْكارِ
أي هو ناتق.
والباء في {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} متعلقة {بِمَجْنُونٍ} منفيًّا ؛ كما يتعلق بغافل مثبتاً.
كما في قولك: أنت بنعمة ربك غافل.
ومحله النصب على الحال ؛ كأنه قال: ما أنت بمجنون مُنْعَماً عليك بذلك.
{وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً} أي ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوّة.
{غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي غير مقطوع ولا منقوص ؛ يقال: مننت الحبل إذا قطعته.
وحبل منين إذا كان غير متين.
قال الشاعر:
غُبْساً كواسِبَ لا يُمَنّ طعامُها ...
أي لا يقطع.
وقال مجاهد: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} محسوب.
الحسن: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} غير مكدّر بالمَنّ.
الضحاك: أجراً بغير عمل.
وقيل: غير مقدر وهو التفضل ؛ لأن الجزاء مقدّر والتفضل غير مقدر ؛ ذكره الماوَرْدِيّ ، وهو معنى قول مجاهد.
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال ابن عباس ومجاهد: على خُلُقٍ ، على دينٍ عظيم من الأديان ، ليس دين أحبّ إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه.
وفي صحيح مسلم عن عائشة: أن خُلُقه كان القرآن.