قلت: وهذا موضع إشكال، ويمكن الجمع بين الأمرين بتوجيهات منها:
1 -أن يحمل إنكاره على ابتداء السؤال، دون مجرد الحديث عنهم.
وهذا ملحظ معتبر للفرق الظاهر بين الصورتين، وله أصل في المرفوع، وذلك فيما رواه جاير بن عبد الله -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاتسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، فإنه لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن بتبعني) رواه أحمد 3: 338، وأبو يعلى رقم (2135) ، والبيهقي في (السنن الكبرى) 2: 10، وغيرهم من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر -رضي الله عنه-.
ومجالد فيه ضعف، وسبق في الحديث رقم (78) .
وصدر الحديث: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء) ؛ جعله الإمام البخاري ترجمة لأحد الأبواب في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه.
وأما مطلق الحديث عنهم ففيه الإذن النبوي الصريح، بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (حدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج) رواه البخاري (3461) في أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل، وغيره.
2 -أنه أخذ عن مسلمة أهل الكتاب مثل كعب الأحبار، وليس هذا كمن يتلقى عن أهل الكتاب -من الأحبار والرهبان- وهم على دينهم.
ووجه ذلك أنه كان تقدم منه -صلى الله عليه وسلم- الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم جاءت الرخصة في الحديث عنهم، فلعله فهم أن النهي المتقدم لمن كان كافرا، ثم جاءت الرخصة في الحديث بعد أن دخل بعضهم في الإسلام.
ينظر: (المقدمات الأساسية) ص 343 وما بعدها، مجموعة مقالات حول الموضوع منشورة في (ملتقى أهل التفسير) على الإنترنت.
كما أن أثر ابن عباس المستشهد به هنا؛ يدل على موضع الشاهد إشارة لا نصا.
هذا وأصل حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في أولية خلق القلم؛ مروي عنه من طرق كثيرة مرفوعا وموقوفا.
(266) عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (النون: اللوح المحفوظ، والقلم من نور ساطع) .
تخريجه:
أخرجه الرافعي في (التدوين في أخبار قزوين) 2: 414، قال: