ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق اللَّه تعالى على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من الغضب على أعداء اللَّه تعالى مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح اللَّه تعالى الذين مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ لما أوجد، فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله - تعالى -: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) وقال: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ، وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف.
وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) ينذركم لقاء يومكم هذا (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ) .
وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا: (بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ ...(9) . ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، (فَكَذَّبْنَا) بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: (مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) مما تنذروننا به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) .
فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10) .