قال أبو عبيد: وإنما سمي أبهم لأنه ليس مما يستطاع دفعه، ولا ينطق فيكلم أو يستعتب، ولهذا قيل للفلاة التي لا يهتدى فيها الطريق: بهماء، وللبر: أبهم.
فالإنسان إذا استشاط غضبه حتى حمله على البطش والصيال كان أشبه شيء بالبعير الهائج الصؤول، إلا أن البعير غير مكلف، والإنسان مكلف موصوف في ذلك بالجبروت والعدوان، كما قال هود عليه السلام لقومه: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [سورة الشعراء: 130] .
وقالوا في المثل: أبطش من دوسر، وهو كما في"الصحاح": الجمل الضخم.
وحقيقة البطش: السطوة، والأخذ بالعنف.
وقيل: دوسر في المثل: اسم كتيبة للنعمان بن المنذر، وهو غير منصرف، ولم يذكر الزمخشري غيره.
وكانت كتائب النعمان خمساً: - الرهائن: وهم كانوا خمس مئة رجل رهائن لقبائل العرب يقيمون على بابه حولاً، ثم يذهبون ويجيء بدلهم.
-والضبائع: وهم خواصه لا يبرحون بابه.
-والوضائع: وهم ألف رجل كان يضعهم كسرى بالحيرة نجدةً لملك العرب.
-والأشابيب: وهم بنو عمه، وإخوته، وإخوانهم؛ سموا بذلك لبياض وجوههم.
-ودوسر: أحسنها، وأنكاها، وكانوا من قبائل شتى، وأكثرهم من ربيعة، واشتقاقها من الدسر؛ وهو الطعن.
77 -ومنها: القيام من المرض غير معتبر ولا تائب عما كان عليه من الزلل تشبهاً بالبعير، والحمار إذا عقل، أو رُبط ثم أُرسل.
تقدم في التشبه بالمنافقين عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أن المنافق إذا مرض ثم عوفي كان كالبعير عقله أهله، ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه، ولم يدر لم أرسلوه.
78 -ومنها: التشدق بالكلام والتخلل به كما تفعل البقر.
قال في"الصحاح": والمتشدق: الذي يلوي شدقيه للتفصح.
روى أبو داود، والترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ البَلِيغ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تتَخَلَّلُ البَقَرَةُ". قال الترمذي: حديث حسن.
وهو الذي يتشدق بالكلام، ويفخم به لسانه، ويَلُفه كما تلف البقرة الكَلأ بلسانها.
وقلت ملمحا بالحديث: من الرجز