والآن ينتهي هذا الاستعراض في صفحة الكون المنظور ، وتطوى صفحة الخلق الفاني ، وتتوارى أشباح الخلائق جميعاً ، ويفرغ المجال من كل حي ، ويتجلى وجه الكريم الباقي ، متفرداً بالبقاء ، متفرداً بالجلال ؛ وتستقر في الحس حقيقة البقاء ، وهو يشهد ظلال الفناء:
{كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} ..
وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس ، وتخشع الأصوات ، وتسكن الجوارح.. وظل الفناء يشمل كل حي ، ويطوي كل حركة ، ويغمر آفاق السماوات والأرض.. وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح ، والزمان والمكان ، ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار..
ولا يملك التعبير البشري أن يصور الموقف ؛ ولا يملك أن يزيد شيئاً على النص القرآني ، الذي يسكب في الجوانح السكون الخاشع ، والجلال الغامر ، والصمت الرهيب ، والذي يرسم مشهد الفناء الخاوي ، وسكون الموت المخيم بلا حركة ، ولا نأمة في هذا الكون الذي كان حافلاً بالحركة والحياة. ويرسم في الوقت ذاته حقيقة البقاء الدائم ، ويطبعها في الحس البشري لا يعرف في تجاربه صورة للبقاء الدائم ؛ ولكنه يدركها بعمق في ذلك النص القرآني العجيب!
ويعقب على هذه اللمسة العميقة الأثر بنفس التعقيب. فيعد استقرار هذه الحقيقة. حقيقة الفناء لكل من عليها ، وبقاء الوجه الجليل الكريم وحده. يعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجه بها الجن والإنس في معرض الآلاء: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} ..