وأما على القراءة الثانية ، فاشتقاقها من النوء ، وهو المطر ؛ لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء ، وقيل: هما لغتان للعرب ، ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير:
أزيد مناة توعد يابن تيم... تأمل أين تاه بك الوعيد
ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي:
ألا هَلْ أتى التَّيْم بن عبد مناءة... على السر فيما بيننا ابنُ تَمِيمِ
وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف ، ووقف ابن كثير ، وابن محيصن عليها بالهاء.
قال في الصحاح: ومناة اسم صنم كان بين مكة والمدينة ، والهاء للتأنيث ، ويسكت عليها بالتاء ، وهي لغة.
قوله: {الثالثة الأخرى} هذا وصف لمناة ، وصفها بأنها ثالثة ، وبأنها أخرى ، والثالثة لا تكون إلاّ أخرى.
قال أبو البقاء: فالوصف بالأخرى للتأكيد ، وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى ، والعرب إنما تصف به الثانية ، فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله: {مَآرِبُ أخرى} [طه: 18] وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير ، والتقدير: أفرأيتم اللات والعزّى الأخرى ومناة الثالثة.
وقيل: إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم ؛ لأنها كانت عند المشركين عظيمة ، وقيل: إن ذلك للتحقير والذم ، وإن المراد المتأخرة الوضيعة ، كما في قوله: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهم} [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم.
ثم كرّر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها ، فقال: {أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى} أي: كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث ، وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور ، قيل: وذلك قولهم: إن الملائكة بنات الله ، وقيل: المراد: كيف تجعلون اللات ، والعزّى ومناة ، وهي إناث في زعمكم ، شركاء لله ، ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث.